أحيانًا أشعر أن عقلي لم يعد كما كان
ليس لأنني نسيت شيئًا مهمًا، أو لأن ذاكرتي أصبحت أضعف، بل لأنني فقدت قدرتي على البقاء مع فكرة واحدة. أفتح هاتفي لدقيقة، فأخرج منه بعد ساعة. أنتقل من مقطع إلى آخر، ومن صورة إلى أخرى، ومن موضوع إلى موضوع، دون أن أتوقف عند أي شيء بما يكفي لأفهمه أو أشعر به حقًا.
أستهلك الكثير، لكنني لا أحتفظ بشيء.
كأن العالم أصبح يمر أمامي بسرعة تفوق قدرتي على التأمل. كل شيء مختصر، سريع، ومصمم ليجذب انتباهي لثوانٍ معدودة قبل أن ينتزعني إلى شيء آخر. حتى أفكاري أصبحت تشبه ذلك؛ قصيرة، متقطعة، وعابرة.
التعفن الدماغي ليس أن يصبح الإنسان أقل ذكاءً، بل أن يصبح أقل عمقًا.
أن يفقد دهشته أمام الأشياء، وصبره على التعلم، وقدرته على الجلوس مع سؤال واحد دون أن يبحث عن إجابة سريعة. أن يعتاد الضجيج إلى درجة يصبح معها الصمت ثقيلًا، ويصبح الفراغ مخيفًا.
أحيانًا أتساءل: متى كانت آخر مرة قرأت فيها شيئًا طويلًا دون أن أمد يدي إلى هاتفي؟ متى كانت آخر مرة جلست مع أفكاري دون أن أهرب منها إلى شاشة مضيئة؟
ربما لا تتعفن أدمغتنا حقًا، لكن شيئًا ما يذبل بداخلها.
ذلك الجزء الذي كان قادرًا على التركيز، والتأمل، والحلم طويلًا. ذلك الجزء الذي كان يرى العالم ببطء كافٍ ليشعر به.
والمخيف أن التعفن لا يبدو مؤلمًا أثناء حدوثه. بل يحدث على هيئة متعة صغيرة تتكرر كل يوم، حتى نستيقظ ذات مرة لنكتشف أننا نعرف كل شيء عن الجميع، ولا نعرف شيئًا عن أنفسنا


